مقالات


الأربعاء - 05 أغسطس 2020 - الساعة 11:48 م

الكاتب: حسن الدولة - ارشيف الكاتب



العلمانية ليست عقيدة ولا أيديولوجية، بل هي نظام حكم يحقق التعايش بسلام، وليست ديناً حتى تنافس الدين ولا أيديولوجية فتنافس الإيديولوجيات؛ وإنما هي أداة لتنظيم شوؤن الحياة؛ وتكفل المواطنة المتساوية بغض النظر عن العرق والدين والمذهب، بل تقف من المذاهب والأعراق على مسافة واحدة؛ تحترم الجميع؛ وتحمي الجميع من بغي بعضهم على بعض؛ وتضع الدين في المكانة التي ارادها الله له؛ فالكل كأسنان المشط أمام القانون ولا فرق بين قحطاني وعدناني؛ وزيدي ووهابي وشافعي وحنبلي ويهودي ونصراني إلا بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. وكلها امور لا يفصل فيها إلا العالم بما تخفي الصدور يوم الحساب وليس في الدنيا التي هي دار ابتلاء وكل يعمل على شاكلته فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وحسابه يوم الحساب وقد تحسبه في الدنيا هينا وهو عند الله عظيم.

كما أن الخطاب الديني الذي يفرق بين الناس إلى شيع يغيب في الدولة العلمانية. وكذلك الخطاب العرقي الذي يقطر قيحا وصديدا هذه الأيام؛ ويزكم انوفنا؛ ويمزق نسيجنا المجتمعي؛ وينخر في اللحمة كما تنخر السوس في الخشب هذا الخطاب النتن سوف يختفي وتوأد السلالية - قحطانية وعدنانية -. فلا هاشمية ولا يمانية ولا قيسية ولا قرشية بل الكل يمني يتنافس في بناء الوطن...

كما ان العلمانية تتميز بأنها كالنهر؛ الذي يتغير لونه حسب الأرض التي يمر منها فعلمانية فرنسا وهي اكثر العلمانيات تشددا إزاء حيادية الدين عن السياسة نجدها ترعى دور العبادة - كنائس ومساجد ومعابد - وتنفق على ترميمها؛ تختلف عن علمانية المانيا التي تسمى بالعلمانية المتدينة؛ التي ترعى الاديان والمتدينين حد تصنيفها بأنها علمانية متدينة.. والأخيرة تختلف ايضا عن علمانية اكثر شعوب الكرة الارضية تدينا وهو المجتمع الامريكي؛ وعن علمانية الهند التي ضمنت تعايش مئات الأديان بسلام والتي تقدم المساعدات لاصحاب الديانات فعلى سبيل التمثيل فإن الحكومة الهندية تقدم مساعدة مالية لكل مسلم يرغب في أداء فريضة الحج مرة واحدة أي أن العلمانية تفصل بحسب طبيعة كل مجتمع..

والدولة الحديثة كانت حلم الاحرار اليمنيين، فقد تطلعوا إلى الاستفادة من نظم الحكم المعمول به في الدول الغربية.
وقد نادى بضرورة الاستفادة من تجارب الغرب في بناء الدولة الحديثة بعد المناضل المحلوي والدعيس ابو الأحرار المجاهد الأزهري الراحل أحمد محمد نعمان، طيب الله ثراه في الجنة، مستندا في ذلك إلى ما قام به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذي استقدم نظام الحكم الفارسي فأنشأ الدواوين، وادخل وسائل حكم لم يكن للعرب عهد بها، فطالما وان الأوروبيين قد قاسوا مثلنا من ويلات الحروب الأهلية التي حصدت الملايين من المسيحيين، فعكف مفكروهم وعلماؤهم وفلاسفتهم على دراسة أسباب تلك الحروب ودوافعها فتبين أنها ذات بعدين سياسي وديني، فوضعوا بذلك أصابعهم على الداء، فقضوا على أسبابه ودوافعه، وقاموا بطي صفحات الماضي الأليمة، وتوصلوا إلى نظام جعل من الهوية الوطنية هي الإطار الشامل الذي ينطوي تحته كل المواطنين بمذاهبهم وعقائدهم ومللهم وأعرقهم، نظام لا يسمح باستغلال الدين في أمور سياسية، ولا السياسة في امور الدين، فكل له مجاله وفضاؤه الذي يعمل فيه، فالدين الرقيب فيه هو الله أي انه يعمل في الفضاء الشخصي بين العبد وخالقه، والسياسة في الفضاء العام والرقيب فيه هو الشعب.

والتزموا بأداء الواجبات الدينية ليعبد الله كل منهم وفقا لما أمره دينه، وتركوا للأحزاب السياسية أن تتنافس برامجيا، في مجال بناء المجتمع وتقدمه وتطوره في سبيل تحقيق الرفاهية المنشودة لكل المواطنين.. ولم يتأت لهم ذلك إلا باحترام العهود والمواثيق، التي تحقق المواطنة المتساوية وليس على أساس سيطرة وهيمنة.. وطالما والقاعدة الذهبية لدينا تقول "أينما تكون المصلحة فثم شرع الله"، وطالما والعلمانية ليست واحدة، فهناك العلمانية المحايدة بالنسبة للدين وهناك التي تهتم بالشأن الديني، وتقوم برعايته ورعاية ومصالح المتدينين وهناك العلمانية المطبقة في فرنسا التي يظنها البعض انها ضد الدين بينما هي تدعم الكنائس والمساجد بالمال وتسمح بحرية العقيدة، ويمكننا ان نضيف العلمانية المؤمنة الموجودة في دولة كبريطانيا والمانيا وامريكا والهند.

والعلمانية ليست عقيدة ولا مضادة للأديان ولا تتعارض معها بل هي مجرد وسيلة لادارة شؤون الحكم ويمكن ان نشبهها بالنهر الجاري الذي يتلون بلون التربة التي يمر من فوقها، فهي تتماشى مع كل المعتقدات. ففي عالم اليوم توجد 140 دولة وكل دولة منها تتبنى علمانية تختلف عن الاخرى كما أسلفنا بما يتناسب مع ظروفها وحاجتها، ولم ترفض العلمانية إلا في مطلع ظهورها من قبل الكنيسة التي يسير الاسلام الحركي بشقيه السني والشيعي على هديها، إلا ان الفارق أن الكنيسة تؤمن بالثيوقراطية، اي بالحق الالهي في الحكم، بينما نحن في الاسلام نرفض هذه الدعاوى فكل مسلم هو رجل دين ولا سلطة دينية لإنسان على أخيه الإنسان مهما علا كعبه في الدين. ولا صحة لتلك الرواية التي تنسب للخليفة الثالث عثمان: (والله لن اخلع قميصا ألبسنيه الله)، فلماذا لا نستفيد من تجارب الذين سبقونا في هذا المضمار فصاروا يعيشون في امن واستقرار وكل يعبد الله كما يأمره دينه؟

▪من صفحة الكاتب على الفيس بوك